حين يصبح المنزل مقبرة صامتة… مآسي تسريب الغاز تتكرر

أصبح الموت المفاجئ الناتج عن تسريب الغاز واحدًا من أخطر الحوادث المنزلية التي تتكرر بصمت، حاملةً في طياتها مآسي إنسانية مؤلمة. فخلال دقائق قليلة، قد تتحول لحظات الاستقرار داخل المنزل إلى كارثة تنتهي بفقدان أرواح دون سابق إنذار، وفي أغلب الحالات لا يدرك الضحايا ما يحدث إلا بعد فوات الأوان.
وتقع حوادث تسريب الغاز نتيجة أسباب متعددة، من بينها تلف خراطيم الغاز، أو سوء تركيب الأجهزة، أو استخدام أسطوانات غير صالحة، أو ترك مصادر الغاز مفتوحة دون انتباه. كما يسهم انعدام التهوية داخل المنازل، خاصة خلال فصل الشتاء، في تفاقم الخطر، إذ يمنع تجدد الهواء ويساعد على تراكم الغاز في المكان بسرعة كبيرة.
ويُعد الغاز بطبيعته سريع الانتشار، وقد يكون عديم اللون وأحيانًا ضعيف الرائحة، ما يجعل اكتشافه في مراحله الأولى أمرًا صعبًا. وعند استنشاقه، يؤدي إلى تقليل نسبة الأكسجين في الهواء، وهو ما يسبب اختناقًا تدريجيًا تظهر أعراضه في صورة صداع ودوار وخمول وشعور بالنعاس، ثم فقدان الوعي الكامل، وقد تتطور الحالة إلى توقف عضلة القلب أو تلف حاد في المخ نتيجة نقص الأكسجين.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن ضحايا حوادث تسريب الغاز يكونون في كثير من الأحيان نائمين، أو غير قادرين على الحركة أو طلب النجدة، وهو ما يجعل هذه الحوادث تُوصَف بـ«الموت الصامت» الذي لا يمنح فرصة للمقاومة أو الهروب. وتزداد المخاطر لدى الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والجهاز التنفسي، حيث يكون تأثير نقص الأكسجين لديهم أسرع وأكثر حدة.
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن عددًا كبيرًا من هذه الحوادث كان من الممكن تفاديه لو تم الالتزام بقواعد الأمان البسيطة، مثل الفحص الدوري لأجهزة الغاز، والتأكد من سلامة الخراطيم والمنظمات، وعدم استخدام أجهزة متهالكة أو غير معتمدة. إضافة إلى ضرورة تهوية المنازل بشكل دائم، وعدم إغلاق جميع المنافذ لفترات طويلة، خاصة أثناء تشغيل أجهزة الغاز.
كما ينصح الخبراء بتركيب أجهزة كشف تسريب الغاز، التي تطلق إنذارًا مبكرًا عند حدوث أي تسريب، ما يمنح قاطني المكان فرصة للتدخل السريع قبل تفاقم الوضع. إلى جانب التوعية بعدم النوم وترك البوتاجاز أو السخانات تعمل دون رقابة، وعدم محاولة إصلاح أعطال توصيلات الغاز بشكل عشوائي.
ولا يُعد الموت المفاجئ بسبب تسريب الغاز حادثًا عارضًا بقدر ما هو نتيجة مباشرة للإهمال أو نقص الوعي، وهو ما يستدعي تكثيف الحملات التوعوية ونشر ثقافة السلامة داخل المنازل. فالوقاية في مثل هذه الحالات لا تتطلب مجهودًا كبيرًا، لكنها قد تنقذ أسرًا كاملة من فقدان أحبّتها في لحظة صمت قاتلة.
ويبقى الوعي هو خط الدفاع الأول، فكل إجراء احترازي بسيط قد يكون سببًا في منع مأساة إنسانية جديدة. فالمنزل، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، يجب ألّا يتحول إلى خطر صامت بسبب تسريب يمكن اكتشافه والوقاية منه قبل أن يكتب نهاية غير متوقعة.

