أنباء اليوم
 أنباء اليوم

يوميات جولي مانيه

أميرة عبدالعظيم -

خلال النصف الثاني من عام 2017 كانت جولي مانيه منسية تماماً إلى درجة أن صحافياً وجد نفسه مدعواً لأن يعلق على كتاب يحمل اسمها صدر في ذلك الحين، لم يتورع عن أن يصيح حين وصل الكتاب إليه بدهشة: "مبدع من آل مانيه من جديد... فلنر ماذا يحمل إلينا هذا الكتاب".

وكان الصحافي يبدي أول ما يبدي دهشته أمام حجم الكتاب (أقل قليلاً من 600 صفحة) وقلة عدد السنوات التي "يزعم" الكتاب منذ عنوانه، أنه يتناول أحداثها الفنية ومن الداخل تحديداً! ولعل حجته الأساسية في موقفه كانت تكمن في أن الكتاب نفسه يحمل العنوان التالي "يوميات 1893 - 1899"، لا سيما انطلاقاً من معلومات تفيد بأن ثلاثة أرباع القرن كانت قد مضت منذ طبع الكتاب للمرة الأخيرة، أما ما اشتغل لمصلحة الكتاب فكان اسم المؤلفة نفسه، جولي مانيه.

صحيح أن الصحافي كان يعرف أن جولي مانيه هذه ليست ولم تكن أبداً اسماً لامعاً في تاريخ الفن الفرنسي بالمعنى التقليدي، فهي لم تكن رسامة كبيرة مثل أمها بيرت موريسو، ولا ثورية في أي مجال فني، مثل عمها إدوار مانيه، لكنها وكما ستؤكد له قراءته للكتاب، تحتل مكانة فريدة بوصفها شاهدة حميمية على واحدة من أهم اللحظات في تاريخ الحداثة الفنية. بالتالي لم يفت الصحافي حين علق على الكتاب تعليقاً بالغ الإيجابية، أن يؤكد أن أهمية جولي تكمن أساساً في مذكراتها، التي تحولت مع الزمن إلى وثيقة ثقافية وإنسانية نادرة، تضيء الحياة اليومية لعائلة الانطباعيين من الداخل، بعيداً من الأساطير والتأريخ الأكاديمي الجاف.

جدير بالذكر أن جولي ولدت عام 1878، في قلب الوسط الفني الباريسي، لأم تعد من أعمدة الحركة الانطباعية، وأب هو أوجين مانيه، الشقيق الأصغر لإدوار مانيه. منذ طفولتها الأولى، وجدت نفسها محاطة بأسماء ستصبح لاحقاً أيقونات: ديغا، رينوار، مونيه، مالارميه… كانوا ضيوف البيت الدائمين، وأصدقاء الأم، ومعلمي الذائقة البصرية من دون قصد.

في هذا المناخ، بدأت جولي تدوين يومياتها وهي في سن مبكرة، لا بدافع التأريخ، بل بوصفه تمريناً عفوياً على الفهم والتعبير. وتتميز مذكرات جولي مانيه ببراءتها اللافتة. فهي لا تكتب بعين ناقدة محترفة، ولا تحاول إصدار أحكام جمالية، بل تسجل التفاصيل الصغيرة: مزاج أمها، صمت ديغا، نوبات القلق، الأحاديث العابرة، وحتى التوترات الخفية بين الفنانين. ومن هنا تأتي قيمتها الحقيقية، إذ تكشف الانطباعية لا كمدرسة فنية فحسب، بل كأسلوب حياة هش، مليء بالشكوك، والمرض، والخوف من الفشل، إلى جانب الشغف والرغبة في التجديد. وتكتسب المذكرات بعداً أكثر إيلاماً بعد وفاة بيرت موريسو المبكرة عام 1895.

تفقد جولي أمها وهي لم تبلغ الـ 17، فتتحول الكتابة إلى نوع من التعويض العاطفي، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة. نقرأ في اليوميات حزناً مكبوتاً، وشعوراً بالوحدة، لكننا نلمح أيضاً محاولة واعية للحفاظ على الإرث العائلي، وكأن جولي تدرك، ولو غريزياً، أنها أصبحت حلقة وصل بين عالمين: عالم الفنانين الكبار، وعالم المستقبل الذي قد ينسى إن لم يدون.

وهنا تجدر الإشارة إلى

أن مذكرات جولي مانيه لاتخلومن ملاحظات ذكية عن الفن نفسه، لكن أهميتها لا تكمن في التحليل، بل في كشف العلاقة الإنسانية بالفن. فيها نرى اللوحة قبل أن تصبح "تحفة"، ونرى الفنان قبل أن يتحول إلى اسم في المتاحف. جولي تكتب عن ديغا المتجهم، وعن رينوار المرح، وعن مالارميه المتأمل، لا بوصفهم عباقرة، بل كأصدقاء للعائلة، لهم نقاط ضعفهم، ومخاوفهم، وأهواؤهم. ولاحقاً، ستتزوج جولي من الرسام إرنست رونيه، وتستمر في لعب دور الحارسة الصامتة لتراث موريسو ومانيه. غير أن شهرتها الحقيقية ستأتي متأخرة، عندما تنشر مذكراتها وتقرأ بوصفها نصاً أدبياً وتاريخياً في آن واحد. إنها ليست مجرد يوميات فتاة، بل شهادة من الداخل على ولادة الحداثة الفنية، مكتوبة بلغة بسيطة، صادقة، ومؤثرة.

بهذا المعنى، تمثل جولي مانيه مفارقة لافتة: امرأة لم تسع إلى الخلود، فوجدته. لم ترسم لوحات خالدة، لكنها رسمت بالكلمات صورة حية لعصر كامل، صورة لا تزال تنبض بالحياة حتى اليوم. بالتالي، إذا كان المؤرخون سيتأسفون لأن جولي لم تترعرع متمتعة بالمواهب الفنية التي ميزت عمها الكبير الذي عرفته عن قرب ورصدت حياته وفنه، ولا مواهب أمها بيرت موريسو في فن الرسم أيضاً، فإن الحياة الاجتماعية التي عاشتها محاطة بكثير من الأجواء التي منحتها دقة الملاحظة والقدرة على رصد التفاصيل، وفرت لها موهبة أخرى هي موهبة الكتابة بالتأكيد.