”مقالات” مونتاني: من عزلة التفكير إلى رحابة الفكر

كتبت أميره عبدالعظيم
لأن الكتاب كان شاملاً شعر مؤلفه أنه ليس في حاجة إلى وضع غيره وعده المفكرون بعده كتاب حرية الإنسان في المقام الأول
في عام 1571، وكان في ذلك الحين في الـ38 من عمره، اعتزل المفكر والكاتب الفرنسي، ميشال دي مونتاني، الناس والحياة العامة والنشاط السياسي ملتجئاً إلى مكتبته وليس في رفقته، وفق تعبيره هو، سوى "الفقهاء" عبر كتبهم ومؤلفاتهم وهناك راح يكتب ويفكر، وقد شعر أخيراً أنه أصبح إنساناً حراً، منطلقاً من كل قيد وواجب.
دامت عزلته، في ذلك الحين، قرابة الثمانية أعوام أنفقها ذلك الثري النبيل في تأمل العالم ولكن من خلال مرآة ذاته.
كان تأملاً أشبه بـ"عودة إلى الذات" في عزلة وزهد ليس لهما من غاية سوى تمكين الذات تلك من الحكم على الأمور، في تجرد من أي تأثير. ذلك أن غاية مونتاني من تلك العزلة كانت، تحديداً، القيام بالنشاط الوحيد الذي لا مخادعة فيه: التفكير الحر.
هذا التفكير نتجت منه في ذلك الحين، الصياغة الأولى والأساسية لذلك الكتاب الذي سيصبح معلماً أساساً من معالم الفكر الإنساني على طول الزمن "المقالات" Les Essais. الكتاب الذي لم يؤلف مونتاني غيره طوال حياته، والذي سيظل يؤلفه ويضيف إليه ويصححه ويعدل فيه عاماً بعد عام حتى رحيله عن عالمنا بعد ذلك بأكثر من 20 عاماً.
وهنا لا بد من أن نذكر أن اندفاع مونتاني في عزلته وعكوفه على تأليف ذلك الكتاب التأملي الحر، وربما الكتاب الأكثر حرية في تلك الأزمان، نتجاً، كما يحدث دائماً لدى المفكرين عن أزمة عميقة هزت الرجل. وكانت الهزة رحيل صديقه الشاعر والفيلسوف لابويسيه الذي ارتبط معه بعلاقة فكرية عميقة أثرت في الإثنين.
ولكن ما هو، بعد ذلك، هذا الكتاب الذي أنفق العمر بأكمله لكتابته، ولا يزال حياً يقرأ حتى اليوم، وربما يعد الكتاب الأكثر شعبية بين كتب الفلسفة الفرنسية؟ إنه، في كل بساطة، كتاب لا منهج ولا خطة له. إنه يشبه، بالأحرى، تلك الكتب التي اشتهر مفكرون عرب مثل الجاحظ والتوحيدي بوضعها: كتب تخبط خبط عشواء في كل فن وفكر، وتتنقل متأملة عارضة محللة رابطة بين المواضيع والأفكار، في أمل أن يخرج القارئ منها، إذ يعيش عبرها حرية القراءة بالمعنى الأشمل والأكثر تركيزاً للكلمة، وقد تولى بنفسه الحكم على ما قرأه وعلى العالم.
كتاب حرية الإنسان
ولأن الكتاب كان على مثل هذا الشمول وله مثل هذا الهدف، كان من الطبيعي لمؤلفه ألا يشعر أنه في حاجة إلى وضع غيره. وكان من الطبيعي للمفكرين بعد مونتاني أن يروا، أن هذا الكتاب في أسلوبه وتنوعه إنما هو كتاب حرية الإنسان في المقام الأول، ليس فقط لأنه يدعو إلى الحرية وإلى التفكير الحر، وإلى أن يكون الفرد صاحب السيادة على قراراته في مواجهة الجميع، بل أيضاً لأنه جعل ما يقوله، أسلوباً له: قراءة حرة للتفكير الحرب، سعياً إلى الوصول إلى الإنسان الحر.
ومن هنا لم يفت الباحث الفرنسي المعاصر جان ستاروبنسكي، في كتاب أساس عن مونتاني، أن يطلق على فكر هذا الأخير صفة "الفكر المتحرك".
في "المقالات" (أو "المحاولات" وفق ترجمة صحيحة هي الأخرى للتعبير الفرنسي الذي يحمله العنوان) يلوح لنا مونتاني بوصفه "أول إنسان يعبر عن نفسه وعن وجوده في شكل تفصيلي" في فصول الكتاب المتعددة. بل إنه، كذلك، واحد من أوائل المفكرين الغربيين الذين عرفوا كيف يجسدون "صورة الوجود الفردي".
ولكن كيف ومن أين أتى مونتاني بكل هذا القدر من القدرة على أن يكون حراً ويعبر عن حريته، وحرية الفرد في شكل عام، في مقالات وفصول غير مترابطة تنتقل من الحديث عن الشؤون العسكرية إلى ذكر التسامح، ومن الحديث في التربية إلى التمعن في وظائف الفكر الإنساني، متسائلة في حيرة عن حكمة الإنسان وضعفه، وصولاً إلى الحديث عن فلسفة الطبيعة، حيث يؤكد مونتاني في واحد من أجمل فصوله أن "ملذات الجسد وسرور الروح لا يشكلان، للأسف، الوجود البشري كله، إذ إن كل إنسان مدعو، في لحظة أو في أخرى، إلى الالتقاء بالألم والموت. ولكن، إذا كانت الطبيعة عاجزة عن إنقاذه من الآلام والشرور، فإنها في الأقل تعلمه كيف يتحملها من دون أن يغرق كثيراً في الألم؟".
إن هذا السؤال نفسه لم يتوقف عن إثارة حيرة ستيفان زفايغ، الذي وضع في القرن الـ20 سيرة لافتة لمونتاني، ملاحظاً فيها كيف أن الزمن الذي عبر فيه مونتاني عن هذا كله، كان زمن اضطراب وحروب دينية من شأنها أن تدفع الإنسان إلى اليأس، لا إلى كل ذلك القدر من التفاؤل والانفتاح الذي طبع "المقالات". غير أن تلك الحيرة لم تمنع زفايغ من أن يرى في مونتاني "سلف كل إنسان حر على وجه البسيطة وحاميه صديقه".
ما قبل العزلة
لقد تأثر مونتاني أساساً بصديقه لابويسيه، لكنه تأثر أيضاً وخصوصاً بقراءته لكبار المفكرين الرواقيين، لا سيما سينيكا وبلوتارك. فهو حين شرع يكتب فصول "المقالات" خلال الأعوام الثمانية التي تلت بداية عزلته، كان زود نفسه بكمية هائلة من القراءات والمعارف، ومكتبته بكم مذهل من كتب الأقدمين.
وكانت قراءاته وضعته أمام مبدأ وحيد وأساسي هو مبدأ الشك. هو الذي يرى في طول كتابه وعرضه أن ما يميز الإنسان الراهن، أي الراهن في زمن وضع مونتاني كتابه، علماً أن ما ينطبق هنا على إنسان مونتاني إنما ينطبق على أناس الأزمان التالية له وحتى الأزمان التي نعيش فيها، هو شكه الخلاق.
ونذكر هنا أن الطبعة الأولى من "المقالات" صدرت في بوردو (فرنسا) عام 1580 في كتابين كانا يتألفان من 94 فصلاً. ومونتاني بعد صدور تلك الطبعة، عاد وخرج من عزلته، ليخوض السياسة والسفر، ثم استأنف عام 1588 الكتابة وأصدر طبعة جديدة من "المقالات" أضاف إليها كتاباً ثالثاً يتألف من 13 فصلاً. وتتميز هذه الفصول في أن شك مونتاني تحول فيها من شك سلبي إلى شك إيجابي، حيث ازدادت دعوته إلى قارئه لكي يتثقف ليتحرر، ويمكنه ذلك من أن يجعل حياته تسير بالتواكب مع تعمقه في الفلسفة. وهذه المرة صار شعار مونتاني "إن فني ومهنتي لهما عنوان أساس هو: العيش

