حين تتحول المقابر إلى ذاكرة للأمم من بانثيون باريس إلى مقابر الخالدين في مصر

ليست المقابر في كثير من دول العالم مجرد أماكن لدفن الموتى، بل تحولت إلى فضاءات للذاكرة الوطنية، وشواهد حية على تاريخ الأمم ورموزها الفكرية والسياسية والدينية. ففي بعض البلدان، أُعيد تعريف المقبرة باعتبارها مزارًا ثقافيًا وسياحيًا، يحمل رسالة احترام للتاريخ وتقدير للعظماء، وهو ما يفتح تساؤلًا مهمًا حول علاقة الشعوب بتراثها الإنساني بعد الرحيل.
في قلب العاصمة الفرنسية باريس، يقف مبنى البانثيون شامخًا، لا كضريح فحسب، بل كبيان وطني واضح: «هنا ترقد عظمة فرنسا». يضم البانثيون رفات كبار المفكرين والعلماء والأدباء، مثل فولتير، جان جاك روسو، وماري كوري، أول امرأة تُدفن فيه تكريمًا لإسهاماتها العلمية. وتحولت زيارته إلى طقس ثقافي وسياحي، حيث يتعرف الزائر على تاريخ الفكر الفرنسي من خلال أسماء صنعت الوعي والنهضة.
أما في مدينة النجف بالعراق، فتقع مقبرة وادي السلام، إحدى أقدم وأكبر المقابر في العالم، والتي تمتد على مساحة شاسعة وتضم رفات ملايين البشر، من بينهم علماء دين وشخصيات تاريخية بارزة. لا يُنظر إلى وادي السلام كمكان للحزن فقط، بل كجزء من الهوية الدينية والثقافية، وكمتحف مفتوح يعكس طبقات متراكمة من التاريخ الإسلامي والإنساني.
وفي بوينس آيرس، تحولت مقبرة لا ريكوليتا إلى واحدة من أهم المزارات السياحية في الأرجنتين، لما تمتاز به من عمارة فريدة تشبه مدينة أوروبية مصغرة، وتضم رفات شخصيات وطنية بارزة، أبرزهم إيفا بيرون. هنا يلتقي الفن المعماري بالتاريخ السياسي، في مشهد يؤكد أن الذاكرة الوطنية يمكن أن تُحفظ في الرخام بقدر ما تُحفظ في الكتب.
وتحت شوارع باريس الصاخبة، تمتد سراديب الموتى، وهي شبكة أنفاق تضم رفات ملايين الباريسيين. نشأت هذه السراديب كحل صحي في القرن الثامن عشر، لكنها تحولت لاحقًا إلى مزار تاريخي يروي قصة مدينة واجهت الأوبئة والاكتظاظ بالموت، وحوّلت المأساة إلى سجل تاريخي صامت يقص فصولًا من حياة العاصمة الفرنسية.
وفي مصر، تمتلك المقابر التاريخية قيمة لا تقل أهمية، إذ تضم رفات قادة ومفكرين وعلماء وشخصيات أثرت في التاريخ الوطني. ويبرز مفهوم «مقابر الخالدين» باعتباره تعبيرًا عن هذا المعنى، حيث تمتزج العمارة الجنائزية بالفن والتاريخ في مناطق مثل الإمام الشافعي والسيدة نفيسة ومقابر القاهرة التاريخية، لتتحول إلى ذاكرة مفتوحة تحكي سيرة الوطن. وتحتضن هذه المقابر شواهد خالدة لأسماء صنعت وجدان مصر، من بينها أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي ما زالت كلماته حاضرة في الوعي الثقافي، وإسماعيل باشا سليم رمز البطولة الوطنية، وزهرة هانم فاضل وكلزار هانم كنماذج نسائية ارتبطت أسماؤهن بالعطاء والعمل العام، إلى جانب حسين باشا الذي يمثل أحد وجوه النخبة المؤثرة في تاريخ مصر الحديث.
هكذا لا تبدو هذه المقابر مجرد أماكن للرحيل، بل صفحات من كتاب الأمة، منقوشة في الحجر، تؤكد أن احترام الموتى هو في جوهره احترام للتاريخ والهوية.

