أنباء اليوم
 أنباء اليوم

سيدي أبو الحسن الشاذلي إمام التصوف الذي وحّد بين الذكر والعمل

تامر المنشاوي -

يُعد سيدي أبو الحسن الشاذلي واحدًا من أعلام التصوف الإسلامي وأكثرهم تأثيرًا في الوجدان الديني والروحي للعالم الإسلامي، إذ لم يكن مجرد شيخ طريقة، بل صاحب مدرسة فكرية وروحية متكاملة ما زالت حاضرة بقوة حتى اليوم. وُلد الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله الشاذلي في المغرب أواخر القرن السادس الهجري، ونشأ طالبًا للعلم الشرعي، قبل أن تتفتح رحلته الروحية الكبرى على يد شيخه عبد السلام بن مشيش، الذي غرس فيه أسس السلوك القائم على الصفاء القلبي والالتزام بالكتاب والسنة.

انتقل الشاذلي بعد ذلك بين بلاد المغرب وتونس، ثم استقر به المقام في مصر، حيث اتخذ من الإسكندرية مركزًا لنشر تعاليمه. وهناك، تشكلت ملامح الطريقة الشاذلية التي قامت على مبدأ فريد في التصوف، يقوم على الجمع بين الذكر والعمل، ورفض العزلة السلبية أو التظاهر بالفقر والزهد، مؤكدًا أن القرب من الله لا يتعارض مع السعي في عمارة الدنيا.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة في التراث المصري سلمي أحمد «يمثل الإمام أبو الحسن الشاذلي حالة خاصة في تاريخ التصوف، لأنه قدّم نموذجًا متوازنًا للمتصوف العامل في المجتمع، لا المنعزل عنه. فتعاليمه كانت ثورة هادئة على المفاهيم الخاطئة عن الزهد، وأكدت أن الولاية الحقة تُبنى على العلم والعمل معًا».

وتضيف سلمي أحمد، أن انتقال الشاذلي إلى مصر شكّل محطة فارقة، حيث وجدت أفكاره بيئة خصبة للانتشار، خاصة في الإسكندرية، التي تحولت إلى مركز رئيسي للطريقة الشاذلية. ومن مصر خرج تلاميذه الكبار، وعلى رأسهم أبو العباس المرسي، ثم الإمام ابن عطاء الله السكندري، الذي قام بدور محوري في تدوين الحكم الشاذلية ونقل فكر الشيخ إلى الأجيال اللاحقة.

وعن نهاية رحلة الإمام، تشير المصادر التاريخية إلى أن أبا الحسن الشاذلي توفي عام 656 هـ أثناء توجهه لأداء فريضة الحج، في منطقة وادي حميثرة بصحراء عيذاب جنوب شرق مصر، حيث دُفن هناك، وأُقيم على قبره مقام ومسجد أصبحا مزارًا روحيًا يقصده المريدون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ولا يزال مولده يُحتفل به سنويًا، في مشهد يعكس استمرار حضوره الروحي بعد أكثر من سبعة قرون.

وتؤكد الباحثة سلمي أحمد في ختام تصريحها أن «مقام ومسجد سيدي أبو الحسن الشاذلي ليسا مجرد موقع ديني، بل شاهدان على مرحلة مهمة من تاريخ التصوف في مصر، ويجب النظر إليهما بوصفهما جزءًا من التراث الروحي والثقافي الذي يستحق التوثيق والحماية».

هكذا يظل الإمام أبو الحسن الشاذلي رمزًا للتصوف الواعي، الذي جمع بين عمق الروح وحكمة العقل، وبين الذكر الصافي والعمل الصالح، ليترك إرثًا خالدًا ما زال نابضًا في القلوب والذاكرة حتى يومنا هذا.