سجين الحرية؟ حين تتحول الشاشات إلي قيود
بقلم -هبة قاسم
من المعروف أن كلمة «سجين» تعني شخصًا مقيّد الحرية بحكم قضائي، يجعله غير قادر على العيش بحرية كما يعيش بقية الناس. لكننا اليوم نشهد ظاهرة مختلفة تستحق التأمل؛ إذ أصبح كثير من البشر سجناء لقيود غير مرئية، دون أن تصدر بحقهم أحكام قضائية!
نعم، يوجد بيننا الكثير ممن جعلوا من أنفسهم سجناء مقيّدي الحرية دون أن يشعروا بذلك، حين قرروا الدخول إلى عالم السوشيال ميديا والانغماس الكامل في برامج التواصل الاجتماعي، حتى أصبح الأمر يشكّل خطرًا كبيرًا عليهم وعلى المحيطين بهم.
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية: أن يفقد الإنسان جزءًا من حريته، وهو يعتقد أنه يمارسها، وأن يصبح أسيرًا لشيءٍ دخل إليه بإرادته، دون أن يدرك متى تحولت وسيلة الترفيه والتواصل إلى قيد يسيطر على وقته وسلوكه وتفكيره.
فلم يكن العيب يومًا في الزمن، ولا في تعدد برامج التواصل الاجتماعي أو البرامج الترفيهية، وإنما يكمن في الإفراط في استخدامها، وسوء فهم الغاية من إنشائها، وغياب الوعي بالحدود التي ينبغي ألا نتجاوزها في التعامل معها.
فكل شيء يستخدمه الإنسان قد يكون سلاحًا ذا حدين، وتتوقف نتائجه على طبيعة الاستخدام ومدى الاعتدال فيه؛ فقد يكون وسيلة للمعرفة والتواصل وتبادل الخبرات، وقد يتحول، في المقابل، إلى مصدر للضرر وإهدار الوقت واستنزاف الطاقة الذهنية والنفسية.
فالمشكلة ليست في وجود الوسيلة، بل في اللحظة التي تفقد فيها الوسيلة وظيفتها كأداة في يد الإنسان، لتصبح هي المتحكمة في الإنسان وقراراته.
وما نراه اليوم بوضوح هو بعض السلبيات التي قد تسهم في استنزاف العقول وإرهاق النفوس، وتدفع البعض إلى الابتعاد عن الدين والقيم والمبادئ الحميدة التي تربّينا عليها، خاصة عندما يستحوذ العالم الافتراضي على اهتمام الإنسان، فيتراجع اهتمامه بواجباته ومسؤولياته وعلاقاته الحقيقية.
وعلى سبيل المثال، تُعد منصة «تيك توك» من أشهر منصات التواصل الاجتماعي وأكثرها انتشارًا، وقد تحولت لدى بعض المستخدمين إلى ما يمكن وصفه بـ «إدمان بلا قيود»، حتى باتت تستحوذ على أوقاتهم، وتؤثر في أنماط حياتهم وسلوكياتهم، وتزاحم أولوياتهم اليومية.
والدليل على خطورة الأمر يظهر حين يتحول الاستخدام العادي، الذي لا يؤثر في الحياة اليومية أو العلاقات الإنسانية، إلى استخدام قهري يصعب التحكم فيه، وقد يرتبط بمشكلات نفسية وسلوكية لدى بعض الأشخاص، دون أن يشعر المستخدم في البداية بحجم التغيير الذي طرأ على حياته.
فليس كل ما نفعله بإرادتنا يظل تحت سيطرتنا إلى الأبد؛ إذ قد تتحول العادة، مع التكرار والإفراط، إلى سلوك يصعب التوقف عنه، وهنا يبدأ الإنسان في فقدان السيطرة تدريجيًا، دون أن ينتبه إلى خطورة ما يحدث.
تبدأ مرحلة الاستخدام المفرط حين يُسرق الوقت دون هدف، فتُختطف ساعات لا حصر لها من حياة المستخدم، ويبتعد يومًا بعد يوم عن عالمه الحقيقي الذي خلقه الله ليعيش فيه ويتفاعل مع من حوله. فيجد نفسه غارقًا في متعة لحظية قد تمنحه شعورًا عابرًا بالرضا، لكنها قد تترك وراءها فراغًا نفسيًا وعزلة وانطواءً عن العالم الخارجي.
وقد يصاحب ذلك توتر وقلق عند الابتعاد عن استخدام المنصة، إلى جانب إهمال العمل أو الدراسة أو العبادات، والتقصير في المسؤوليات اليومية والعلاقات الأسرية والاجتماعية.
وهنا لا يعود الأمر مجرد دقائق يقضيها الإنسان أمام شاشة، بل يصبح تساؤلًا أعمق عن قيمة الوقت، وكيفية استثماره، وما إذا كان الإنسان يعيش حياته بالفعل أم يكتفي بمشاهدة حياة الآخرين من خلف شاشة صغيرة.
فالعمر لا يُقاس بعدد الساعات التي نقضيها، بل بما ننجزه فيها، وبما نمنحه لمن نحب، وبما نتركه من أثر طيب في حياتنا وحياة الآخرين.
إن تيك توك، حين يتحول استخدامه إلى سلوك مفرط، لا يكتفي بإهدار الوقت، بل قد يستنزف سنوات من عمر الإنسان، ويؤثر في قدرته على التركيز وإنجاز المهام والاستمتاع بتفاصيل الحياة الواقعية. وتزداد خطورة الاستخدام غير المنضبط مع سهولة الوصول إلى المنصة، التي تجذب مختلف الفئات العمرية، فلا تقتصر آثارها المحتملة على فئة دون أخرى.
ومن المؤكد أن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، لكن المحزن أن يكتشف الإنسان ذلك بعد فوات الأوان، حين يدرك ما أضاعه من وقت، وما فوّته على نفسه من فرص، وما أصاب علاقاته من فتور أو تراجع؛ في وقت قد لا يكفي فيه الندم لاستعادة ما مضى.
إن أخطر الخسائر ليست دائمًا تلك التي نشعر بها لحظة وقوعها، بل تلك التي تتراكم بصمت حتى نكتشف أننا خسرنا الكثير دون أن ننتبه.
ومن الجدير بالتأمل أن الشركات والأشخاص القائمين على تطوير هذه المنصات يدركون أهمية جذب انتباه المستخدمين والحفاظ على تفاعلهم. ولذلك، فإن الوعي بآليات جذب الانتباه، والحرص على تنظيم وقت الاستخدام، أصبحا ضرورة لا غنى عنها. ولا يصح أن نعمم القول بأن جميع مطوري هذه البرامج يتجنبون استخدامها، لكن من المهم أن نفهم أن مصالح المنصات قد تقوم على استمرار تفاعل المستخدم، بينما تقع على الإنسان مسؤولية حماية وقته وتحديد أولوياته.
فالحياة الحقيقية ليست مجرد صور ومقاطع نشاهدها، ولا إعجابات وتعليقات نتلقاها، ولا لحظات عابرة نقضيها في متابعة الآخرين؛ إنها تجارب نعيشها، وعلاقات نبنيها، ومسؤوليات نتحملها، وأهداف نسعى إلى تحقيقها، وذكريات نصنعها بحواسنا ومشاعرنا، لا بمجرد النظر إلى شاشة.
لذلك، يجب علينا، أفرادًا ومستخدمين لهذه المنصات، أن ندرك خطورة الإفراط في استخدامها، وخصوصًا حين يؤثر في حياتنا اليومية ومستقبلنا وعلاقاتنا. علينا أن نحمي أنفسنا من الانجراف وراء المتع اللحظية التي قد تبدو جذابة في بدايتها، لكنها تصبح عبئًا حين تستحوذ على وقتنا وتبعدنا عن أولوياتنا.
ويجب أن نتذكر دائمًا أن التكنولوجيا وُجدت لتخدم الإنسان، لا لكي تسلبه وقته، وأن التقدم الحقيقي لا يتمثل في قدرتنا على الوصول إلى كل شيء، بل في قدرتنا على اختيار ما ينفعنا، وتجنب ما يستنزفنا، وتحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية.
فلم تكن الحرية الحقيقية في التصفح المستمر بلا هدف، ولا في الانتقال من مقطع إلى آخر دون إدراك لما نفقده من وقت، وإنما في قدرة المستخدم على السيطرة على وقته واختياراته ومصيره، وأن يظل صاحب القرار في تحديد مسار حياته.
فالإنسان الحر ليس من يستطيع الوصول إلى كل شيء، بل من يستطيع الاستغناء عما يضره، والتوقف عما يستنزفه، والتمسك بما يمنح حياته قيمة ومعنى.
وحين ندرك الحقيقة الكاملة لما يدور حولنا، ونتعامل مع ما نستخدمه بوعي وإدراك، سنصبح أكثر قدرة على التحكم في سلوكياتنا، وأكثر قوة في مواجهة العادات التي قد تقيد حريتنا دون أن نشعر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه: هل نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بإرادتنا، أم أصبحنا سجناء لها تحت وهم الحرية؟


